الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
24
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
آية للناس ورحمة كرامة للغلام ، فوقع التفات من طريقة الغيبة إلى طريقة التكلم . وجملة وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا يجوز أن تكون من قول الملك ، ويجوز أن تكون مستأنفة . وضمير كانَ عائد إلى الوهب المأخوذ من قوله لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً . وهذا قطع للمراجعة وإنباء بأن التخليق قد حصل في رحمها . [ 22 - 23 ] [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 22 إلى 23 ] فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) الفاء للتفريع والتعقيب ، أي فحملت بالغلام في فور تلك المراجعة . والحمل : العلوق ، يقال : حملت المرأة ولدا ، وهو الأصل ، قال تعالى : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً [ الأحقاف : 15 ] . ويقال : حملت به . وكأن الباء لتأكيد اللصوق ، مثلها في وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] . قال أبو كبير الهذلي : حملت به في ليلة مزءودة * كرها وعقد نطاقها لم يحلل والانتباذ تقدم قريبا ، وكذلك انتصاب مَكاناً تقدم . و قَصِيًّا بعيدا ، أي بعيدا عن مكان أهلها . قيل : خرجت إلى البلاد المصرية فارّة من قومها أن يعزّروها وأعانها خطيبها يوسف النجّار وأنها ولدت عيسى عليه السلام في الأرض المصرية . ولا يصح . وفي إنجيل لوقا : أنها ولدته في قرية بيت لحم من البلاد اليهودية حين صعدت إليها مع خطيبها يوسف النجار إذ كان مطلوبا للحضور بقرية أهله لأن ملك البلاد يجري إحصاء سكان البلاد ، وهو ظاهر قوله تعالى : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ [ مريم : 27 ] . والفاء في قوله : فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ للتعقيب العرفي ، أي جاءها المخاض بعد تمام مدة الحمل ، قيل بعد ثمانية أشهر من حملها . وأجاءها معناه ألجأها ، وأصله جاء ، عدي بالهمزة فقيل : أجاءه ، أي جعله جائيا . ثم أطلق مجازا على إلجاء شيء شيئا إلى شيء ، كأنه يجيء به إلى ذلك الشيء ، ويضطره إلى المجيء إليه . قال الفراء : أصله من جئت وقد جعلته العرب إلجاء . وفي المثل « شرّ ما يجيئك إلى مخّة عرقوب » . وقال زهير :